تفاحتي: بدايات قصيرة قد تصبح طويلة – ب

Posted: September 15, 2011 in Arabesque
Tags: , , , , ,

تفاحتي: بدايات قصيرة قد تصبح طويلة  (ب)

بقلم مايك ديرديريان

شكرا نسرين موسى ديرديريان، يا نصفي الآخر ، عالتدقيق اللغوي 

(خل)

ما أن فتح باب البراد حتى صدح صوت يشبه صوت الأجراس الزجاجية.  تناول قنينة زجاجية واجترع ما فيها حتى النصف قبل أن يعيدها للرف. طنت الأجراس الزجاجية مرة أخرى. عاد به الزمن لوقت كان هذا الصوت يتناغم مع صوت أمه الحنون: صوت قناني الزجاج المرتطمة بحواف رفوف باب البراد الأبيض العتيق.

اتجه حسان نحو خزانة معلقة فوق مغسلة المطبخ. فتحها وتناول قنينة خل أفرغ القليل منها في صحن فيه قطع خضار: خيار، وبندورة، ونعنع، وشرائح ليمون.

حسان:  

لما الحياة تعطيك ليمون – متذكرا المثل الامريكي – أعمل سلطة! بس ناقص كم من قطعة جمبري. يفضح عرض المصاري بهالبلد. لا القرش الاسود نافع ولا اليوم الأبيض أبيض.

سحب كرسي خشبي عتيق، مثل الذي تجده في مقاهي الفنانين، وجلس عليه. غرف من الصحن ملء ملعقة وبدأ بالأكل. كان مثل عامل نظافة لوحته الشمس. ليس على باله سوى شيء واحد سوى الإنتهاء من عمله وإسكات معدته. خطف الجريدة الشبه جافة، أخبارا وورقا، وبدأ يتصفح الأخبار بعينيه التعبتين.

باتت الجرائد تسلية محبي ما بين السطور حيث يجد المرء  تحت كل عنوان الخبر وما بين الخبر تحت السطور.

فجأة تذكرها. ركض إلى غرفته وحمل اللاب توب وضعه على طاولة المطبخ. نقر على مشغل الأغاني ليصدح صوت المرحومة سعاد حسني وهي تغني، “يا واد يا تقيل …”

تذكر اليوم الذي أعطته الأسطوانة المدمجة في الجامعة.

حسان:

شو بالنسبة للحركات! سي.دي ما سي.دي!

سكت لبرهة. نظر في عينيها وكاد أن يغرق لولا أن تذكر عيون الناس في الجامعة.

حسان (بهمس):

شكرا يا قمر.

الفتاة ذات الشعر الاحمر:

عفوا!

حسان (بهمس):

بالله عليك ما ضحك صاحب المحل عليك لما طلبتي سي.دي تجميع.

 الفتاة ذات الشعر الاحمر:

بلا تخويت واسمعو لما ترجع عالبيت اليوم. كيف كانت محاضرتك اليوم؟ أنا زهقت حياتي. الكتاب روعة بس شرح البروفسورة مش ولابد. نفسي يدرسونا كتب مثل فقدان الفردوس، وكتاب مثل ودون كيشوت.

حسان:

في ناس حرام فيهم لقب دكتور جامعة! محاضرات زي وجه يالي بيعطيها: زناخة. على كلن، راح تقبلي عزومتي على الغداء اليوم ولا راح تحلقيلي وتقضي النهار مع زينة؟

الفتاة ذات الشعر الأحمر (قبل أن تبتسم):

للأسف راح أحلقلك. بس إذا بتحب … ني. قصدي إذا بتحب … ممكن تعزمني على قهوة سادة.

حسان لنفسه:

قهوة قهوة!

سرح بتفكيره للحظة ووجد نفسه يركض في غابة عاجية، يلاحق حورية غاب حمراء الشعر، تحت ناظر عين سماوية ملتهبة، لا ترحم، ولكنه سرعان ما تذكر معدته فعاد لكوكب الأرض وعاد لتناول سلطته على أنغام سندريلا الشاشة العربية.

“يا يا يا واد يا تقيل …” صدح صوت سعاد حسني من المسجلة اليابانية الصنع التي أهداها إياه والده، والتي لا تعيد الشريط لأوله فيضطر لسماع الشريط حتى آخره قبل أن يقلبه ويسمع الجهة الثانية. هكذا يضطر لتذكرهم مع كل كلمة من الاشرطة المرمية في الصندوق الموجود في زاوية غرفته.

لم يفكر أن يشتري مسجل جديد وخصوصا تلك الانواع الرخيصة المصنوعة في الصين: احتفظ بهذه الخردة. أراد أن يحتفظ بهم. بات يعرف لماذ يتمسك الكبار بأغراضهم ولايلقون بها: الذكريات المرتبطة في خرداواتهم تمنعهم من القيام بذلك.

(علبة السردين المتنقلة)

“لسنا سوى أسماك سردين تتنقل من مكان إلى آخر في علب سردين متنقلة في بحر اسمنتي يكبر ويكبر.” وجد الشخص الذي خطرت بباله هذه الجملة نفسه واقفا بين عدة اشخاص.

حاول بعض الاشخاص أن يخلقوا مساحة من الخصوصية لأجسادهم المنهكة ولكن من غير فائدة. حميمية إجبارية. منهم من نفخ في الهواء كمن ينفخ في نفير غير مرئي، يريد من خلاله أن يعلن لمن حوله، “لقد اقتربت بما فيه الكفاية!”، و منهم من ضاع في همومه ومنهم من أمضى الوقت يتأمل الوجوه لعله يقرأ شيئا ما بين هذه الوجه البشرية ومنهم، مثل حبيب موسى، سرح بخياله الواسع وبدأ بكتابة جمل أبقاها في عقله حتى يرجع لبيته ويعيد صياغتها في دفتر ملاحظته أو على حاسوبه.

لا تراجع. ما أن صعدت الباص وسمعت رنين النقود المعدنية وهي تتساقط في اليد الحديدية، لن يمكنك النزول، أو الجلوس، أو حتى الوقوف براحة. لقد أصبحت عضوا في نادي علب السردين المتنقلة. حبيب كان عضوا فخريا في هذا النادي والذي أفراده من مختلف الطبقات إلا الأغنياء. طبعا قد يكون هناك ملياردير بخيل واقف بين خلق الله يعد النقود التي في جيبه.  يحب القراءة في الباص ، وخصوصا إن كان جالسا. ولأن مشواره مازال في أوله، تناول حبيب كتابا من حقيبة ظهره.

 حبيب (لنفسه):

خلينا نشوف شو هالكتاب يالي قرقع خالد رأسي في.

أخرج حبيب الكتاب متحملا نظرات الإستغراب والإستهزاء من الركاب، الواقفين والجالسين سواسية. “خذلك هالنمرة!” ، “العلم مقطع بعضه” ، “لو سمحت تفتح طريق!” ، “من كل عقله قاعد بيقرأ بالباص وعالواقف كمان!”

ما أن نزل أحد الركاب الذي كان متكأ على إحدى الأعمدة الداخلية للباص حتى أخذ حبيب مكانه.

حبيب (لنفسه):

هه! هيك فيني ضل واقف لأقرأ مرتاح. الحاوي والرؤوس قصة قصيرة مرسومة لميشيل ف. ديريدا.

سرعان ما غرق حبيب في بحر من الخطوط البيضاء والسوداء والرمادية والحروف ونسي أنه عالق في علبة سردين متنقلة. نسي العبق القوي الصادر من هذه الأسماك التي زادت مع حرارة الجو وقلة التكيف—بالأحرى عدم وجود تكيف بسبب مسؤلي قطاع نقل أردني فاشل.

اصطبغت السماء فجأة بلون برتقالي وأحمر قاني كأنها آلهة هندية توشح جسدها الممشوق بساري مصبوغ بعصير أشجار البرتقال. ياله من مشهد أزلي شهده المئات من الناس على مر السنين. سماء جميلة زينت وجنتيها وشفتيها، التي لم تقبل أحد سوى زوجها الوحيد، الأرض، بلون أحمر وكأنه مصنوع من دماء بشرية.

تصاعد الدخان من مبنى فائق الجمال يقع على هضبة محاطة بالأشجار الكثيفة. السنة 1600 وكانت الهند لا تزال تحت الإنتداب البريطاني المسعور الذي مزق جسد العالم بأنيابه وبراثنه التي لا ترحم.

“لماذا قتلت حاوي القصر يا بابو؟” قال مهراجا المدينة المتواجدة على ضفاف نهر الغانج. “وجدنا رأسه في سلة الأفاعي الخاصة به ولكننا لم نجد الجسد. هل قمت بإلقاء جسد هذا الرجل المسكين والذي لطالما أمتع رجال، ونساء، وأطفال مدننا وقرانا بسحره، في النهر؟”

نظر الفتى المحاط بالحرس بإتجاه العمدة ومن ثم نظر إلى الأرض رافضا أن يتكلم. صفعه رئيس الحرس قائلا، “كيف تجرؤ أن تدنس عيون المهراجا العظيم يا  حثالة؟ أنت يا من غدرت بمعلمك وقتلته بدلا من أن تشكره لايوائك وادخالك قصرنا وتعليمك سحره. تكلم لماذا قتلت براهما العظيم يا كلب؟”

دوى صوت قوي وكاد أن يفقد توازنه ولكنه في اللحظة الاخيرة تمكن من التمسك بالعمود. لقد حان وقت النزول من الباص والمشي إلى المنزل.

حبيب (لنفسه):

له له. كنا راح نقلب مسخرة وخصوصا قدام البنات!

وضع حبيب الكتاب في حقيبته المعلقة على كتفه ونزل من الباص وبدأ يمشي باتجاه منزله. ظل طوال الطريق يفكر بحاوي القصر ولماذا قام بابو بقتله. تمنى لو يستطيع أن يمشي ويقرأ في نفس الوقت ولكنه لا يريد أن يدهس لذلك وضع سماعات موبايله في أذنيه وشغل مشغل الأغاني. كانت قائمة أغانيه تتكون من أغاني لبلاك ساباث، ديو، ذه دورز، ويشبون اش، ديفيد بوي، ديب بربل، روكسي موسيك، بوب ديلان وفرق أخرى من الستينات والسبيعنات والتي أحبها بسبب خاله الميتالجي والذي هو بحسب تصنيف المجتمع شخص يستمع لموسيقى الروك ويقدس عازفيها.

كان حبيب يحب ترجمة الأغاني لللغة العربية. ما أن بدأ روني جيمس ديو بالغناء حتى بدأ حبيب بترجمة أغنيته مضيفا عليها بعض من روح دعابته.

“لا تكلم الغرباء، لأنهم موجودون لأذيتك. لاتكتب مستخدما النجوم – كحبر لقلمك (استعمل أقلام بيك)، لأن الكلمات قد تصبح حقيقية. لا تختبئ عند مداخل الابواب، لأنك قد تجد المفتاح (كرت الكتروني إن كنت واقف بمدخل فندق) الذي يفتح روحك. لا تذهب للجنة لأنك قد تكتشف إنها جحيم (كبلز اونلي- فقط للمتزوجين والعائلات). لا تشم الأزهار، لأنها شريرة وستفقدك عقلك (شم اغو – صمغ قوي –  يابا وانسى!).”

ظل يمشي حتى وصل مدخل منزله المغطى بفروع شجرة تين عملاقة، زرعت وسقيت بالحب، حب أهله، من عشرات السنين.

(تاريخ)

جلست رندة في مقهى مجاور للجامعة. كانت جالسة مع مجموعة من الأصدقاء الذين اجتمعوا لمناقشة وسائل الإعلام الإجتماعي التي ظهرت للوجود من عدة سنوات.

انتهى الشتاء الذي أحبته رندة والذي تقع في غرامه كل ما يظهر في الأفق، على عكس الحبيب البشري الذي لم يظهر بعد والذي لم تصطدم به في الشارع أو الطابور عند خط السرفسيس، كما يحدث في الأفلام العربية القديمة. لقد تعبت من نعي تموز وعشتار الرابضة في قلبها تغلي.

جاء الربيع ولكنه لم يكن كالسابق. هذا الربيع سمي بالربيع العربي الذي كان مثل الصيف ملتهبا بسبب الأحداث التي حدثت أثناء زيارته.

نظرت إلى الفنجان وتمنت لو أن محتوياته لم تنضب. لا تستطيع تحمل تكاليف فنجان كابوتشينو آخر. عليها أن تركب تكسي للبيت ولا تريد أن ينقص عليها أجرة الطريق. قطع صوته حبل أفكاره. كان جالسا على طرف الطاولة يتحدث عن ماري انطوانيت، الثورة الفرنسية، وتويتر.

هل يعقل بأنها وجدته أخيرا؟

هل هو هذا الشخص، الجالس أمامها، والذي سحر الموجودين بكلامه مثل ساحرعريض الكتفين، واقف على مسرح ولكن من غير مساعدة جميلة.

أنه يسحر الحاضرين بقوة صوته وبريق الشغف في عينيه.

تمنت لو أنها مرتدية نظارتها السوداء مثل شخصية ناديا لطفي. لعله لم يرى شخصيتها بعد؟ تمنت لو أنها اغلقت مرآتي  روحها اليوم. سيكون من السخف أن ترتدي النظارة الآن وأمام الجميع.

رندة (لنفسها):

هبلة! كان لازم أضلني حاطة النظارات من وقت ما قابلته بساحة الجامعة.

الشاب:

“دعهم يأكلون البسكوت”! تخيلوا الزوبعة العنكبوتية التي كان بالإمكان خلقها بسبب هذه المقولة التي تنسب للملكة الفرنسية ماري انطوانيت في هذا الزمن عبر وسائل الاعلام الاجتماعي مثل تويتر و فيسبوك. مع أن المؤرخين ليسوا واثقين بأنها قالت هذه الجملة.

طبعا كان هناك زاوبع أخرى أدت لإندلاع ثورة فرنسية، أكلت الأخضر واليابس، وأدت لتساقط رؤوس كثير من المواطنين، وخلق الجمهورية الفرنسية.  من الصعب أن يعزو المرء اسباب إندلاع الثورة الفرنسية لأقوال منسوبة لماري انطوانيت ويمكن قول نفس الشيء عن الأسباب التي يعتقد الناس بأنها السبب وراء اندلاع الثورات العربية الحديثة.

نسيت رندة نظارتها السوداء وعاد انتباهها إلى الشاب الذي كان ما زال يتحدث عن تويتر وخطابات روبسير النارية، والتي رجح بأنها كانت ستلاقي نجاحا غير منقطع النظير على الشبكة العنكبوتية لو وجدت في ذلك الزمن.

يأتي النادل ليفرغ ما في المنافض من أعقاب سجائر وعلكة. السجائر والعلكة التي يقول العجائز بأنها مداد الشباب المثقف والضائع. ينسون بأنهم كانوا أيضا شباب. البعض هذه الأيام، مثل رندا وهذا الشاب،  يمضغون الأوراق والأقلام عوض عن العلكة ولكنهم لايلقون بها عندما ينتهون منها وهذا طبعا يسهل عمل النادل المسكين الذي يتحمل قرف الزبائن أمثالهم.

تستغل رندا الفرصة لتطلب فنجان آخر من الكابتشينو من غير أن تدرك بأنها قاطعت حديث الشاب الذي سرعان ما ينظر اليها ويبتسم قبل أن يكمل.

 رندة (لنفسها):

خلينا نغامر اليوم! وإذا نقصت أجرة التكسي بكملها مشي عالبيت …

قد يتبع…

للجزء الأول من هذه السلسلة إضغط على هذا السطر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s